جلال الدين السيوطي

14

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

قال : فنظر إليّ الرشيد ، فقلت له : يا أمير المؤمنين ، قد سبق إليه . قال : هات . فأنشدته : لو أنّ صورة من أهوى ممثّلة * وصورتي لاجتمعنا في الجدار معا إذا تأمّلتنا ألفيتنا عجبا * إلفان ما افترقا يوما وما اجتمعا قال : فأعرض عنه الرشيد ، فقال : والله يا أمير المؤمنين ، وحقّ رأسك ، ما سمعت بهذين البيتين . وجعل يتنصّل والرشيد ساكت ، فلما خشيت أن يحرمه ، قلت : صدق يا أمير المؤمنين ، أنا عملت البيتين الساعة . فأمر له بجائزة ولي بضعفها . أخبرنا جعفر بن محمد أخبرنا محمد بن الحسن الأزديّ أخبرنا أبو حاتم ، قال : كان الأصمعيّ أدرى الناس للرجز ؛ سمعت مرة نجرانيّا « 1 » كان قد طاف بنواحي خراسان يسأله ، فقال : أخبرني فلان بالريّ أنّك تروي اثني عشر ألف أرجوزة . قال : نعم ، أروي أربعة عشر ألف أرجوزة . فعجبت ، فقال : أكثرها قصار ؟ فقلت : اجعلها بيتا بيتا أربعة عشر ألف بيت . وكتب إليّ أبو روق الهزانيّ ، قال : سمعت الرياشيّ يقول : سمعت الأصمعيّ يقول : أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة . فقال له رجل : منها البيت والبيتان ؟ فقال : ومنها المائة والمائتان . حدثنا جعفر بن محمد أخبرنا عسل « 2 » بن ذكوان عن المازنيّ ، قال : قلت للأصمعيّ : إنّك لتحفظ من الرجز ما لا يحفظه أحد . فقال : إنّه كان همّنا وسدمنا . حدثنا جعفر بن محمد حدثنا محمد بن الحسن الأزديّ حدثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ ، قال : كنت عند شعبة بن الحجّاج ، فروى حديثا ، قال فيه : « فيسمعون جرش طير الجنّة » بالشين المعجمة ، فقلت : « جرس » بالشين غير المعجمة ، فالتفت يتنظّرني ، فلما رآني ، قال : خذوها عنه فإنّه أعلم بها منا . والجرس الصوت .

--> ( 1 ) في مراتب النحويين : « بحرانيّا » . انظر : 95 . ( 2 ) في المصدر نفسه : « عليّ » . انظر : 95 .